الحر العاملي

128

إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات

محمد بن قتيبة النيسابوري قال حدثنا الفضل بن شاذان النيسابوري عن الرضا عليه السّلام قال : وحدثنا جعفر بن نعيم بن شاذان عن عمه محمد بن شاذان عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السّلام في حديث العلل : قال : فإن قيل : فلم وجب عليهم معرفة الرسل والإقرار بهم والإذعان لهم بالطاعة ؟ قيل : لأنه لما لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملون به لمصالحهم ، وكان الصانع متعاليا عن أن يرى ، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا ، لم يكن لهم بدّ من رسول بينهم وبينه معصوم يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه ، ويوقفهم على ما به إحراز منافعهم ، إذ لم يكن في خلقه ما يعرفون به ما يحتاجون إليه من منافعهم ، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته لم يكن لهم في مجيء الرسل منفعة ولا حاجة ، ولكان يكون إتيانه عبثا لغير منفعة ولا صلاح ، وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شيء . فإن قيل : فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة منها : ( 1 ) أن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أمين يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم ، لأنه لو لم يكن كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره ، فجعل لهم قيما يمنعهم من الفساد ، ويقيم الحدود والأحكام . ومنها : ( 2 ) إنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيّم ورئيس ، لما لا بد لهم منه من أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما لا بد لهم منه ولا قوام لهم إلا به ، فيقاتلون به عدوهم ويقسمون به فيئهم ، ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم عن مظلومهم . ومنها : ( 3 ) أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا ؛ لدرست الملة وذهب الدين وغيرت السنن والأحكام ، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبهوا ذلك على المسلمين ، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أحوالهم ، وتشتت أنحائهم ، فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جاء به الرسول لفسدوا على نحو ما بيّنا ، وغيرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين .